
جمعني وصديق عزيز طالت غيبته دعوة عشاء من صديق مشترك. تجاذبنا أطراف الحديث، وألقينا باللوم وسع طاقتنا على المشاغل والزمن اللذين لم يدخروا وسعًا لإشغالنا عن بعضنا البعض، فتمر الشهور دون لقاء.
ما أن دعى صاحب المنزل المدعون للطعام حتى قاموا يقدم أحدهم الآخر، في إيثار يتحقق –عادة- مع توافر الطعام والشراب، وإلا لرأيت من صنوف وفنون الإنكار ما تعجب له. وبعد جولة ليست بالطويلة ولا بالقصيرة على صحائف الطعام عُدنا بأطباقنا إلى الطاولة محاذرين الارتطام بالآخرين.
وحانت مني التفاته إلى صديقي فأنكرت عليه طبقه وقد تنوعت محتوياته بين خضروات طازجة وأخري طهيت بالبخار مع شريحة من لحم دجاج مشوي، لا يربطها بذلك الهرم الجاثم أمامي رابط، ينزف صوصًا اختلطت ألوانه ذات اليمين وذات الشمال، أنهل منه واقتطع قدر طاقتي فلا تتغير أبعاده، بل يفيض وتتدحرج مكوناته على الطاولة، فسألته قاصدًا الخروج من ذلك الحرج المقيم عن سبب اقتصاره على ذلك الصنف من الطعام، فأجاب أنها تعليمات الطبيب جراء تبعات زيادة وزنه. فأنكرت عليه مقولته كما سبق وأنكرت طعامه، ورحت اتأمله وأخبره –وكنت صادقًا لا مجاملاً- أن وزنه أقل مما عهدته عليه، فما كان منه إلا أن هز رأسه وقال (ما هكذا تقاس الأمور يا صديقي، هذا أمر يفصل فيه الميزان لا العيون).
ثم كان أن انطوت الليلة –كما انطوت في بئر الماضي ليالٍ لا يعلم عددها إلا الله- وتعاهدنا ونحن وقوف على سلم الوداع ألا نترك المشاغل والزمن يكررون فعلهم معنا، ومضى كل منا إلى حال سبيله.
وكأن ما حدث مع صديقي خلال العشاء كان مقدمة لما سيقع مع جاري، فما خطوت إلى مدخل البناية حتى تلقفني ذلك الجار متجهمًا معاتبًا شارعًا في وجهي ورقة مستطيلة كئيبة اللون والهيئة، فلامني –بمقدار مودته- على تأخري فابتسمت وعقبت بأنني ما كنت أعرف بترقبه موعد عودتي، وإلا لهرعت إليه، وابتسمت منتظرًا منه بشاشة مقابلة. لكنه مد يده نحوي بتلك الورقة المستطيلة، وقال جادًا "أنظر وفسر لي".
فنظرت فإذا بها إيصال سداد كهرباء، تأملت الأرقام وأيقنت أنه يشكو ثقل المبلغ المطلوب، ثم بادر منطلقًا يعدد صور استهلاكه الرشيد والمتواضع للكهرباء مستشهدًا بفواتير سابقة لم تتجاوز قيمة الواحدة منها ربع الأخيرة، وانتهي من حديثه إلى استنتاج مفاده خطأ شركة الكهرباء.
شرحت له أن الأمر لا يقاس على هذه الشاكلة، فالعبرة بالاستهلاك وليس بما اعتاد من سلوك أو سبق من فواتير. وأخبرته أن كمية استهلاك هذا الشهر تتجاوز ضعف ما سبق، فأنكر، فوجدتني بعفوية أكرر مقولة صديقي على العشاء مع شيء من تصرف (ما هكذا تقاس الأمور يا صديقي، هذا أمر يفصل فيه العداد لا الانطباعات).
وصحبته إلى عَداَدِ بيته فإذا قيمة الاستهلاك أعلى بكثير من قرينتها بالإيصال فزم شفتيه كارهًا عدم صواب حكمه.
تركته ومضيت إلى شقتي أفكر في الموقفين، وكيف أدى استخدام أدوات قياس في غير محلها إلى استنتاجات خاطئة. كم كان من الأجدر بي في الموقف الأول، وبجاري في الموقف الثاني أن نفرد الحقائق ونتمعن في القرائن ثم نخضعها جميعًا لأدوات القياس الصحيح وعليه نُصدر أحكامنا، بدلاً من اعتمادنا في الحالتين على انطباعات غير ذات صلة.
تُرى كم مرة أصدرنا أحكامنا الباتة دون فرز وقياس القرائن على أسس علمية ذات صلة، تحدد لكل حالة ما يناسبها من أدوات قياس. سؤال نحتاج أن نجيب عليه سيدي القارئ بصدق، وإن لم نخبر أحدًا بالإجابة.